|
الأمير الشيخ
خزعل بن مرداو الكعبي
(رحمه الله)
............. يجري التحميل ..............

الشيخ خزعل
قل من لا يعرفة – قل من يعرفة – ثروتة و كرمة
و أدبه – ذوقة الشامل – الغواني – الشعراء – الاحبار – اجمل ازهار الكرم فية –
الكنيسة و محفل الماسون و الراقصة – التساهل في غير القبيح الذميم – ولا يأنف من
اللعب – و لا يروعه تعدد النساء في الحريم – (( من هي امك يا وليد )) – الزواج
السياسي – جاء في الكامل للمبرد – نياشين من الملوك – ومن بابا رومه – و من
الفيلسوف ابيكوروس و الصوفي ابن العربي – لماذا ترددت في زيارته – كتابي اليه –
جوابه – اجتماعنا – حديث عن اطباء الاسنان – و عن الاخوان – القهوة في مجال آل صباح
– بلية العالم – الرجوع الي الارض بعد الموت – متي يحب ان يرجع الشيخ خزعل .
سمو السردار اقدس ,
معز السلطنة , الشيخ خزعل خان بن نصرت الملك الحاج جابر خان الحاسبي المحيسني
الكعبي العامري , امير نويان و سردار عربستان , و مؤلف كتاب الرياض الخزعلية في
السياسة الانسانية . قل من لا يعرفه من قراء الصحف العربية باسمه و لقبه الاولين في
الاقل . فهو من امراء العرب بعد الملك حسين سناً , و اسبقهم الي الشهرة , و من
اعظمهم في الكرم . هذا ما يعرفه اكثر العارفين بالبلاد العربية .
اما ما يجهله اكثر
الناس خارج الكويت و البصرة فهو ان هذا الامير العربي من طراز الامراء عهد
العباسيين . اعني بذالك انه غني حكيم كريم معاً . فهو برمكي في كرمه , و في ذوقه ,
و في أدبه . يحب اللهو و الغناء حبه الادب و الشعراء . بل يميل الي كل ما فيه شيء و
سماسرة البورص من طبقة واحدة . فلم نفهم كلامه فهل لك ان تشرحه لنا .
فقلت : اما باعة
الخيل فالمشهور من امرهم هو انهم مثل من يبيعون المعاليق في حماه فينفخونها قبل ان
يزنوها . اما سماسرة البورص فلهم في امريكا اسم آخر اظن فيه الشرح الذي تبغيه . فهم
كما يدعونهم هناك اصحاب الدلو الفارق . اي انهم يتاجرون بلا شيء , بالهواء .
فيبيعون زبائنهم ما لا يملكون من الاسهم . و كذالك الزبائن يبيعون و يشترون . هو
ضرب من لعب القمار , يكثر فيه ما هو محض سر من الاسرار .
- و
اين وجه الشبه بينهم و بين طبيب الاسنان .
-
وجه الشبه
في المبداء يا مولاي – المبداء واحد هو الوهم و الاحتراف به هو الهواء في المعاليق
, و هو الدلو الفارق او الهواء في الدلو . فاذا رجت الي طبيب اسنان تشكو الا من ضرس
واحد يقول لك بعد الفحص انك جبار لانك لا تشكو الا من ضرس واحد , و ان بقية اضراسك
في حالة مفجعة , فيقنعك بما اوتي من علم ان معالجتها كلها لازمة و لو اقتضي ذالك
شهراً من العمل . و الا فتمسي بعد اشهر و ليس في فمك سن واحدة.
فقال الشيخ خزعل :
قد اخطاء الاميركيون اذاً . فلو كان هذا الرجل عندنا لعددناه من الناشلين ؟ فضحك
الشيخ احمد و قال : ينشل ما في الفم و ما في الكيس . فقال الشيخ خزعل : و الحمد لله
ان اطباءنا سوريون.
قد كان في معية سمو
الشيخ طبيب آخر سوري هو الدكتور رامي . ولكن الطبيبين قلما يصفان من القاقير غير
المنادمة . و هما الصيدليان كذالك , فيمزجونها لسيدهم في السمر و حول الغطاء الاخضر
المشهور.
جاء الخادم بالقهوة
. فعلمت ان مجلس حاكم الكويت الرسمي يختلف عن مجلسه العام بامرين . الاول ان المجلس
الرسمي المفروش بالريش الفاخر لا يحضره غير افراد من حاشيته و اسرته . و المجلس
العام مفروش بالوسائد و المساند يحضره من يشاء من الناس . فيجلس في المكان الذي
يليق به و لا يتعداه . اما الفرق الآخر فهو في تقديم القهوة . في المجلس الرسمي لا
يصيح الخدم و يردد بعضهم صدي بعض و في المجلس العام بل في مجالس آل الصباح اجمالا
اذا ما امر الشيخ بالقهوة يصيح الخادم : أقهوة . فيهتف الخادم الواقف في الفناء :
اي والله اقهوة ! فيسمعه الخادم الجالس عن باب المطبخ فيصيح كذالك : اقهوه ! فيؤمن
راعي المعاميل علي الصياحين اجمعين مردداً كلمة السر : اي والله اقهوة . فتجيء
القهوة في الحال و ان كان المطبخ علي نصف ساعة من المجلس .
انتقلنا في الحديث
من الاسنان الي الاخوان فقال الشيخ احمد : التعصب بلية العرب .
و قال الشيخ خزعل :
بل بلية العالم . ولو كان لي ان ارجع بعد الموت الي هذه الارض لما احببت ان يكون
ذالك الا عندما تصبح ولا اثر فيها للتعصب الديني . الانسان اخو الانسان احب ام
كره.(1)
.......................................
(1)
اسلفت القول ان المحمرة و ما يليها اي عربستان هي من
اعمال فارس.
كان الشيخ خزعل يحكمها حكما مستقلا و قلما كان
يؤدي الي الحكومة الايرانية المركزية حساباً . اما بعد الانقلاب , او بالحري عندما
كان رضا خان مسيطراً علي الجيش و قبل ان توج شاهاً , تصدت الحكومة الجديدة للشيخ
خزعل فقوضت استقلال هذه الامارة العربية و ساقت الشيخ خزعل الي طهران حيث ما لبث ان
مات حزيناً مقهوراً .
هوذا الامير العربي
الذي كنت متردداً في زيارته بالمحمرة . و قد ترددت لسببين , اولهما لان المتأدبين
يؤمون تلك السدة الشريفة و في جيوبهم قصائد المديح الطنانة , و لست لسوء الحض ممن
يحسنون النظم و لا المديح الرسمي و ثانيهما انه حاكم بلادً اطلق عليها العرب في
الماضي اسم الأهواز و هي اليوم عربستان من اعمال فارس . علي ان رغبتي في الاجتماع
بامير عرفته من اخباره انه فيلسوف الامراء , بل فيلسوف الحياة العملية . كادت تتغلب
علي اسباب التردد كلها , فوطنت النفس علي ان اعرج علي المحمرة في عودتي الي البصرة
. ولكن تقادير الخير امرضتني فجمعتني بالدكتور ريحان الذي بشرني بوجود سمو الشيخ في
الكويت (1)
...........................................
(1)
كان الشيخ مبارك آل الصباح و الشيخ خزعل صديقين حميمين يتزاوران
دائماً فتوقفا الي فكرة جميلة يخلدان بها تلك الصداقة الجميلة . فبني الشيخ خزعل
للشيخ مبارك قصراً في المحمرة بني الشيخ مبارك للشيخ خزعل قصراً في الكويت . ولكنه
كان الي جانب قصره في المدينة فبني بعدئذ الشيخ خزعل قصراً خارج السور يقيم فيه بعض
اشهر الشتاء . و هنالك اليوم قصر الشيخ احمد آل الصباح مجهز بالكهرباء و التلفون و
مفروش بالفاخر من الرياش.
بادرت الي القلم و
الورق اكتب اليه كلمة استأذنه بالزيارة , فوقف القلم في رأس الصفحة البيضاء جامحاً
. كيف احيي هذا الامير و هو كثر الالقاب و الرتب و الاوسمة ؟ بل كيف احيي من يتحدث
الناس من عرب و عجم و افرنج عن مكارم اخلاقه و غرر اياديه ؟ هل احذو حذو الادباء
فانظم الاسجاع , في من كرمه كالمسك ضواع , و متفق عليه بالاجماع ؟ قد يظنها قصيدة
مدح مني فيعاملني بما يوجبه شرع المحمرة . لذالك طرحت الرسميات جانباً و كتبت الي
مولاي الشيخ خزعل كلمة سلام مقرون بالاجلال و الاكرام , فجاءني منه الجواب الآتي :
ايها الفيلسوف
المكرم , حياك الله و ابقاك , و حفظك و نجاك , و اني مشتاق الي لقياك . فيجب ان
ازورك قبل ان تزورني لان لكل قادم حق الزيارة و قد سبقتني بالجميل في كتابك الكريم
, فاشكر ذاك الذوق السليم و اني صباحاً ان شاء الله ازورك في محل الجميع و احظي
بنور تلك الطلعة و اختم كتابي بالدعاء لكم بالتوفيق و السلام عليكم .
المحب لكم
خزعل
و كان اجتماعنا
الاول في (( محل الجميع )) اي عند سمو الشيخ احمد في الجناح الجنوبي من القصر في
القاعة المفروشة بالفرش الاوروبي .
الشيخ خزعل في
العقد السادس من العمر و هو , بالرغم عن الطبيبين في معيته , علي جانب متين من
الصحة و العافية . الا انه كان يشكو يومئذ من اسنانه و من الطبيبين معاً.....
-
سمعت الناس
يشكرون اطباء الاسنان في امريكا . وقد قال لنا احد افاضل الاميركيين ان اطباء
الاسنان هناك و باعة الخيل من اسباب السرور كلها , العقلية و الاجتماعية و الجسدية
. و ان كلمة قالها معاوية : الدنيا بحذافيرها , الخفض و الدعة . لتصح ان تكون من
كلماته .
أجل , ان للشيخ
خزعل ذوقاً انسانياً شاملاً فلا ينفر من غير القبيح و الذميم في الحياة , ولا يعرف
في مكارمه التفضيل و التمييز تجيء المغنية من حلب او من دمشق الي المحمرة و هي لا
تملك غير خلخالها فتقيم عدة اشهر في القصر و تعود غنية مثقلة بالحلي . و يجيء
الشعراء و في جيوبهم قصائد المديح فيعودون من المحمرة و في جيوبهم اكياس من المال .
و يجيء حبر من احبار المسيحين فينزل علي سمو السردار ضيفاً كريماً محترماً و يعود
مصحوباً بالهدايا الثمينة . ثم يجيء المبشر بالماسونية فيحل محل الاسقف في القصر
الخزعلي و يعود بعد اقامة سعيدة كما عاد المحترم قبله .
ان من اجمل ازاهر
الكرم في هذا العربي تساهله و هو شيعي المذهب . فهو يساعد في بناء كنيسة في بلاده
لمنكوبي الكلدان , و يساعد في تأسيس محفل للماسون و يفتح خزانته لراقصة او مغنية
كما يفتحها لاولي البر و الاحسان من الطوائف كلها جمعاء. و هو علي مقامه بل بالرغم
من مقامه يميل دائماً الي ما فيه لهو او تسلية او فكاهة . فاذا ما انتابه الصجر في
القصر , و كان قصر الضيافة فارغاً , ولم يكن ليرغب في زيارة البصرة ليشرف طاولة ((
البوكر )) فيها , ينادي اولاده قائلاً : يا ولد الخير تعالوا . الا تلعبون . فيجيء
السردار ارفع او السردار اجل او السردار جاسم او نصرت الملك او كلهم اجمعون ,
فيجلسون مع عظمة الوالد الي تلك الطاولة الخضراء العزيزة الشأن حتي في المحمرة و
البصرة.
و الشيخ خزعل من
امراء العرب المحافظين علي تقاليد الاجداد في التعريس , و لا سيما ان شريعة المتعة
عن الشيعة تساعده في ذالك . فقد قيل لي ان له اكثر من ستين امرأة و انه قلما يعرف
اولادهن. كثيراً ما يجيئه احد اولئك الصغار فيسأله قائلاً : و من هي امك يا وليد ؟
ثم اذا ناوأه احد مشايخ القبائل و هم بالخروج عليه : و كانت له بنت صالحة للنكاح ,
يزوره السردار اقدس و يشرفه بالمصاهرة , فتخمد فيه في الحال جذوة التمرد و العصيان
. سألت عن سمو الشيخ و انا في البصرة فقيل لي هو متغيب اليوم . فقلت : و اين هو ؟
فقال محدثي : راح يتزوج و هوا لا يزال علي سنه الي تتجاوز الستين اهلاً لمثل هذه
المهمات.
جاء في الكامل
للمبرد ان انعم الناس عيشاً من عاش غيره في عيشه. و لا اضن الشيخ خزعل يحتاج الي
شهادة المبرد و شهادتي في انه يعتقد هذه الحكمة و يعمل بها . فهو اذا لبس ثوبه
الرسمي يحمل علي صدره شهادات من ملوك الارض و فيها وسام القديس غريغوريوس من البابا
بناديكتوس الخامس عشر و بين تلك الاوسمة و النياشين كلها وسامين لايراهما كل الناس
بل لايراهما غير من نظر الي هذا الرجل بعين الشعر و الفلسفة . فهو في صفته
الانسانية يحمل وساماً من الفيلسوف الاغريقي ابيقور و آخر من الحكيم الالهي الصوفي
محيي الدين ابن العربي.
أدين بدين الحب كيف توجهت ركائبه فالحب ديني و ايماني
يتبع |